ذبابة في الحساء، تشارلز سيميك: عن الذبابة التي في حساء الحياة!




عرض لكتاب: ذبابة في الحساء، تشارلز سيميك، ترجمة: إيمان مرسال، الكتب خان

 

إيهام أم كسر إيهام؟!

لا أصدق أن هذه الحادثة قد وقعت للشاعر. ظني وليس كل الظن إثم أنه اختلقها, كما اختلق الكثير من القصص على هامش القصص الحقيقية. هذه ليست سيرة ذاتية بمعناها الكلاسيكي. هذه قصيدة نثر طويلة مطعمة بأحداث روعى أن يكون لها أصلٌ ما في الحياة, حياة ما!

هذه سيرة لا تثير جدلًا, ولا تفضح أشخاصًا بعينها. هذه سيرة لشاعر قصيدة نثر, يعلم أن الحياة زائلة, وأن نسختها الموجودة في القصائد هى الأبقى, لذا يختارها وينبذ الأخرى التي تبقى فضيلتها أنها مرئية وملموسة ويصفها الجميع حين يتحدثون عنها بأنها الحقيقة.

هذه سيرة تحتفي بالطرافة, الطزاجة, المشاعر, والحسية الناعمة: حسية الطعام, حسية السير, وحتَّى طبعًا الحسية الأكبر, الجنس.

ما واجه سيميك خيارين إلا اختار أكثرهما طرافة, وأقربهما لأن يكون جزءًا من قصيدة, لا نرى القصيدة ونرى جملًا مقطعةً منها, فتتحرك بداخلنا نزعات البناء, لنتابع العمل معه عليها, ونكملها بأنفسنا, كل بحسب خبراته في الحياة, وفى الشعر!

يقف الشاعر وسط الجميع, مترقبًا بلطجيًا يمنعهم من الدخول, ثم وبصدفة قدرية يظهر من العدم صديق مشترك للشاعر والبلطجى, بلعبة صغيرة, يجعله يمر منه, ليفتح له معلم التاريخ الباب بنفسه!

لماذا التاريخ بالذات؟

لأن هذه حكاية كما اتفقنا في لعبتنا الصغير منتحلة. البلطجى هو كل أعداء الشعر. الصديق هو الشعر الذى جعله يمر من عتبات عنف الحياة, ليعبر للأعلى ويرى كل آخر صغير من موقعه العالي هذا!

لا تبدو لى قراءة متعسفة لهذا الحد. بالإضافة إلى أن بها قدرًا لا يستهان به من جلاء معنى يطارده سيميك كثيرًا: الشعر في مواجهة الحياة, ذاكرته في مقابل نسيانها, طرافته في مواجهة ثقل ظل مقالبها الصغيرة قبل الكبيرة!!

 * * * 

قصائد النثر, وسيطًا:

 في ذبابة في الحساء, يبدو تشارلز سيميك واعيًا بأهمية الوسيط الذي يستعمله, مانحًا إياه أولوية في اختيار سرد قصص دون عينها. ويجب أن يكون قارئ سيميك على نفس المستوى حيث يخفض من مستوى الفضول والتوقعات بشأن وجود أحداث فضائحية بالمذكرات. لن تجد هنا مثلًا أوصافَا لمشاهد حسية مطولة. لن تجد علاقات عاطفية تقريبًا سوى واحدة. لن تجد هنا حقد أو ضغينة أو تعرية لأشخاص بعينها.

سيميك في نسخته الخاصة من الحياة والمعاد إنتاجها بمعايير أكثر صرامة في نصنا الخلاب هذا، ينتصر لقصيدة النثر. ينتصر للنثر.

ما لا يصلح لتحويله لقطعة نثر تحوى كل خصائص النثر الفنية, يتم حذفة دونما رحمة.

حتى على مستوى الموضوعات التي جرى مناقشتها، ستجد نسختين من ال(tone) الخاص بالأحداث: (tone) صاخب للأحداث نفسها: نفي, تشرد, سجن, فقر, سوء فهم. ونبرة أخرى خاصة بالكاتب - سيميك نفسه- الذى يجعل من كتاب يتناول كل هذا البؤس حدثًا سعيدًا وخفيفًا على القلب.

* * *

في (ذبابة في الحساء), يتحدث سيميك في كل شيء تقريبًا: الحرب, الطفولة, السينما, موسيقى البلوز, المكتبات العامة, التسكع في شوارع المدينة, الشعر, الحب, الحسية, الأرق, الأب, الأم, العائلة, رجال الجيش, رجال الشرطة, الدين, رجال الدين, اللغة, الفلسفة.

يتحدث – كذلك - عن اكتشافه للتلفاز وتشكك السلطات المانحة لحق اللجوء في أوراقه – سيميك لا التلفاز بالطبع-, والمهن العدة التى امتهنها طوال شبابه, بدءًا بوظيفة ساعٍ في جريدة الصن تايمز، وحتَّى فترة تجنيده ثم عمله كشرطي!

نعم، شاعرٌ يعمل شرطيًا!

يتعجب سيميك "إلى اليوم، أنا مندهش من التغييرات التى مررت بها في مدة الأربع أو الخمس سنوات تلك".

* * *

 طفولة بالأبيض والأسود:

يتناول سيميك في نصف الكتاب الأول طفولته, فيصفها بأنها كانت فيلمًا بالأبيض والأسود, وهو ما يستدعي للذهن تلك النوعية من الأفلام, ببهجتها, وميلودراميتها الفجة الخشنة, وافتقادنا لها مع مرور الأيام رغم إدراكنا لعوار سردياتها ورؤيتها للحياة حيث تكتسب الحبكات الساذجة لتلك الأفلام نوعًا من جمالٍ خاص، يجعلنا نغض الطرف عن معاييرنا النقدية ونشتاق للأيام التي تتحدث عنها هذه الأفلام.

ربما يبرر ذلك تلك النبرة المتصالحة التي يتحدث بها سيميك عن ذكرياته. الأيام بمجرد أن تتحول لذكريات, حتى ولو كانت حديثة العهد, فإنه ينفصم عنها مجسدًا من روحه آخر سليمًا لم يمر بالتجربة ولم تخدشه في قلبه, مقيمًا الأمور من بعيد, بخفةٍ وذهنٍ فاتنٍ في هدوء تناوله للحياة رغم قسوتها وعنفوانها وما تركته من جروح وندبات في القلب!

"في عمر العاشرة كنت مغرما بالكتب. الموسيقى أيضًا كانت هناك. صوت الراديو حاضر دائمًا. اكتشفت الجاز الأمريكى ولم أكن أشبع من الاستماع إليه".

* * *

 نسخة شديدة الرهافة من الحسية:

كما أسلفنا, يتحدث سيميك عن الحسية طارحًا نسخة شديدة الرهافة لها, نسخة في متناول التركيبة الفنية لقصائدة ونثره الناعم, لا يؤمن سيميك بالفظاظة اللفظية والعنف في الوصف الحسي, كما نراه مثلًا لدى شاعر أميركي آخر هو بوكوفسكي.

 حسية سيميك تأخذ أشكالًا عدة: الطعام, الأرق, الخليط الفاتن للحب كعاطفة رقيقة مترفعة عن حيل الجسد واشتهاءاته مع الجنس كغواية تقوم بالأساس على نفى الروح أو على الأقل جعلها في المرتبة الثانية والانطلاق أولًا من الجسد.

فعن الطعام، يقول: " يمكن للمرء أن يكتب سيرته الذاتية عبر وصف كل وجبة استمتع بها في حياته"، نراه يربط الطعام الشهى بالسعادة مرة, وبالحسية مرة ثانية وبالحنين في مرة ثالثة, حتى يصل لاستخدام الطعام كأداة سهلة التمرير للآخرين, توحيدهم على أرض واحدة رغم اختلاف خلفياتهم السياسية والعرقية, حينما أخبره عمدة شيوعي, طارحًا رأيًا مغايرًا بشأن الوجبات السريعة التي طالما قدمت كرمز لفقدان الحميمية, "وأنا أحب الطعام الأمريكى. أحب رقائق البطاطس", وعندما يسأل صديقًا، هل هذا يعنى أن الروح لا ترضى أبدًا؟", لا يتلقى جوابًا لكنه يخبرنا إجابته الآن, "عندما تكون الأرواح سعيدة, فإنها تتحدث عن الطعام".

أما عن الأرق، فيقول:" في حياة مليئة بالاضطراب, رافقنى الأرق حتى لا أخاف من العتمة. كنا مثل عاشقين شابين, لم يكن بيننا أسرار. صمتنا كان فصيحًا مثل أحاديثنا. لم أكن لأصبح نفس الرجل إذا كنت قادرًا على النوم بشكلٍ جيد في حياتى".

بعدها، يحدثنا عن القرب الحميم من الحبيبة قائلًا: "ما زال بإمكانى استعادة تلك اللحظة بوضوح. مازال بوسعى أن ألقى تلك النظرة الخاطفة على الرداء وألمح ثدييها بكمالهما حتى الحلمات. إنها تقطع البصل الآن. تجرى الدموع على وجهها. ضحكت وشرحت لى الوصفة القروية الإسبانية التى تطبخها بينما أنا أحوم حولها".

 * * *

 العودة إلى البيت: الشعر, اللغة, الفلسفة والدين:

"كل الفنون تأتى من مأزقنا المستحيل. هذا هو المصدر الأزلى لجاذبيتها"، هكذا يرى سيميك الفن, وخاصة الفن الذى ابتلى بحبه: الشعر.

ورغم أن سيميك لا يؤمن بالدين، "لقد بدا لى دائمًا أننا وحيدون في هذا الكون. أحب عالم الميتافيزيقا وتكهناته. ولكن في جوهر وجودى, أظن أننا جميعًا نصفر في الظلام"، إلا أنه يعود فيؤمم على قول صديقه الشاعر فرانك سامبرى، "كل قصيدة, بوعي أو بدون وعي, موجهة للإله"، ويضيف ليحل التناقض بين ألا يؤمن بوجود إله وأن يوجه حديثه له، فيقول:" لا فرق على الإطلاق إن كانت الآلهة أو الشياطين موجودة أم لا! طموح كل قصيدة أصيلة هو أن تتساءل عن كليهما حتى وهى تدري غيابهما".

         وعن الكيفية التى يتم بها إنتاج القصائد, يقول سيميك: "ليس عند المرء أية فكرة عمَّا يفعله. تمارس الكلمات فعل الحب مع بعضها على الصفحة, والقصيدة هى نتاج الصدفة بنفس درجة كونها نتاج القصد", يقول أيضًا: "أحد المآخذ الكبرى على الشعر, أو أحد أشكال جاذبيته الجليلة –على حسب وجهة نظرك– أنه يريد أن يحتوى كل شيء. إذا احتكمتما للمنطق العقلى البارد, فكتابة الشعر مستحيلة".

         "كل شيء في العالم, مقدسًا كان أو مدنسًا, يعاد اختباره مرارًا وتكرارًا في ضوء خبرة المرء الشخصية", وفى تفكيكه للغته وعرض انحيازاته فيها يعلنها صراحة: "أول المتع التي لا تنسى, والتي منحتها لى اللغة, كان اكتشاف الكلمات النابية", وعن الفلسفة، يضيف:"الفلسفة تشبه العودة إلى البيت".

 * * *

 حتى في منافيه المتعددة, يجد سيميك ميزة ما, أو ما يصفه هو بـ"كيف يبدو الأفراد غير ضروريين وعديمى الأهمية ضمن أى صورة كبيرة!"

 * * *

حكاية أخرى يمكن ممارسة نفس اللعبة اللطيفة معها باستخدامها كعلامة وإسقاط دلالتها على مجال أرحب من نطاقها.

في آخر صفحات الكتاب, يحكى سيميك ما يبدو أنه حكاية الختام لكتابه الخلاب هذا. يحكى وللمفارقة عمَّ كان متوقعًا أن يبدأ به كتابه عن أول شيء استطاعت ذاكرته أن تصله بوعى. إنه العام 1942 أو 1943, تصطحبه أمه إلى عرض زواج فيجارو لموتسارت وبينما بطلا العرض مندمجان إذ بالنار تطال الوشاح الطويل الذي تضعه مطربة العرض الرئيسية فما كان من شريكها في الغناء إلا أن انتزع الوشاح بسرعة وأخذ يقفز فوقه حتى أخمد النيران. كل هذا وهو يغني تلك الموسيقى البديعة.

وهذا، عينه، هو مفهوم سيميك عن لعبة الشعر ولعبة الفن بشكل أعم: أن يستمر المرء في فعل الغناء بينما هو مطارد بالبلاء. وعلى هذا الأساس, فقد نجح سيميك تمامًا فيما أراد: انتصر للغناء و وواصله, رغم استمرار البلاء وتجذره في كل شيء يحيط به.

فلعلنا, نحن في هذا الركن الحزين من العالم, نعي الدرس جيدًا ونشرع في التنفيذ, فهل نعيه؟! ربما وربما لا!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محتويات المدونة

من أنا؟

📌 كتب أطفال قرأتها وأحببتها في 2025 – مراجعات قصيرة ومتجددة (كتب عربية، مترجمة، وإنجليزية)