معارك الصحراء، خوسيه إيميليو باتشيكو: لحن ناعم عن تفتح الزهرة وسط ضجيج الحياة!
"معارك
الصحراء" مشروع طموح مجهض لرواية سياسية بامتياز, لكنَّ كاتبها المكسيكي
خوسيه إيميليو باتشيكو, (1939-2014), يقرر في زهد مفاجئ أنَّ هذا ليس موضوعه
الأساسي. ليس اكتراثه الحقيقي في الحياة.
تسير
"معارك الصحراء" في خطين متوازيين, يمنح الروائي أحدهما مساحة أكبر في
السرد, بينما تمنح الحياة الآخر مساحة أكبر فيما تؤول إليه الأمور. فإن كان خوسيه
إيميلو باتشيكو قد قرر الانتصار لقصة الحب, اللحن النظيف وسط جوقة من الصخب المروع
لمكسيك تلك الأيام, فإن ما ينتصر في النهاية هو ذلك الصخب المروع. النسيان وتمزق
الأواصر, هو ملك هذا النص.
"انتهت
قصة هذه المدينة وهذا البلد. لم تعد هناك ذكريات للمكسيك عن تلك السنوات. لا أحد
يعنيه ذلك. من يمكنه أن يشعر بالحنين إلى هذه الأهوال. دارت كل هذه الأحداث كما
تدور الإسطوانات في الفونوغراف الآلي"
الرواية
ترسم لوحة مقبضة لدستوبيا الحياة في بلاد العالم الفقير. تلك البلاد البعيد عن كل
مصدر للنور في الحياة. نرى عنا سياسي فاسد, يتخذ عشيقة سرية له. يقع صبى صغير, هو
بطل حكايتنا، في حب تلك العشيقة السرية, الشابة ذات الثمانية وعشرين عامًا, والتي
ينعتها الجميع بألفاظ شديدة القسوة من قبيل "فتاة الليل، وما إلى ذلك"
"لم
يخطر ببالى قط أن والدة جيم ستكون بهذا الشباب والأناقة وخاصة بهذا الجمال. لم
أعرف ماذا أقول لها. كنت أود لو أبقى هناك أبدًا ناظرًا إلى عينيها"
يبدو
الأمر كإعجاب عابر لصبي يحاول استكشاف نموذجه للمراة في الحياة والذي في حالات عدة
سيظل يبحث عن مثيل له حتى يجده في فتاة شابة أكثر ومن مثل عمره, لكن هذا لم يكن
حال بطلنا الصغير.
"بينما
العب في ميدان اخوسكو كان جزء منى يعقل الامور: كيف يمكن لك ان تقع في حب ماريانا
وقد رايتها مرة واحدة فقط وتعرف انها في مثل سن والدتك؟ إنها مجرد حماقة وسذاجة,
فمن المستحيل ان تكن لك نفس مشاعر الحب. أما الجزء الاخر منى وهو المسيطر فقد اصم
اذنيه عن كل تعقل او تفكير : ظللت اكرر اسمها بلا توقف, وكأن النطق به مرة بعد مرة
سيقربها الى."
يقرر
البطل الصغير, بعفوية مدهشة, وبلا حسبان لأى عواقب محتملة أن يهرب من المدرسة لدار
حبيبته معترفًا لها بحبه بينما يتعلثم, ليجد نفسه وإزاء اعترافه الجرئ هذا, في
مواجهة الغضب المرعب والعاتي للعديد من مؤسسات تلك الأيام المسيطرة على الحياة في
البلاد, فيجد نفسه خطاءً عليه أن يتوب أمام كاهن اعتراف, يتلذذ بالخوض في الأمور
الممنوعة صانعًا من علاقة الصبي بحبيبته العشرينية الشابة, نسخةً أخرى أكثر غواية,
يشعر
الصبي بالصدمة ويتحدث مع نفسه ويخبرها ما لم يقدر على البوح به للكاهن, "لا
أعرف كل هذا يا أبانا. الحب ليس خطيئة. إنه إحساس جميل. الشيء الشيطاني الوحيد هو
الكُره".
يجد
البطل الصغير نفسه بعد ذلك في مواجهة غضبة مؤسستين جديدتين في طريقه, أولهما مؤسسة
العلاج النفسي, حيث أى شيء يمكن أن يُؤول بطريقة متعسة, فُيرى صغيرنا مرةً كأبله
ويُرى, في أخرى, كطفل شديد الذكاء, "تحدثا عنى كما لو كنت قطعة من
الأثاث", ويواجه غضب مؤسسة أخرى هى مؤسسة العائلة, أولى مؤسسات وأدوات القمع
التي يواجهها الانسان في حياته, فالوالدان
لا يتعاطفان مع الإبن الصغير. لا يحاولان الإستماع إليه, وكل ما يُحاولاه في
الواقع هو قمعه بعنف, فقط ولا شيء آخر.
بقي
سؤال أخير ومُلح, ما هي "معارك الصحراء"؟ وهو الاسم الذي جعلني أفهم
الرواية خطأ في البداية حين ظننتها تتحدث عن معارك حربية في صحراء ليتضح في
النهاية أن معارك الصحراء هي الاسم الساخر الذي يُطلقه البطل وأصحابه على ألعابهم
في الشوارع التى يغطيها الغبار.
في
الختام, معارك الصحراء رواية عن الفساد السياسي, وليست عنه, رواية عن الغزو
الثقافي الأمريكي للعالم وتوابعه وليست عنه, رواية عن الكبار وتعقيدات عوالمهم
ومتاعبهم وليست عن كل ذلك معًا.
"معارك
الصحراء" رواية عن الحب, خاصة الحب من طرف واحد, والعقبات التي تقف في
مواجهته, رواية عن سوء الفهم, وعدم القدرة على بناء تواصل فعال مع آخرين لهم نفس
الخلفية, "معارك الصحراء" لحن ناعم وبارع وسط ضجيج صاخب يصم الآذان. لحن
موضوعه واكتراثه الأساسي اكتشاف الإنسان لمشاعره بالأساس.
* * *
"مهما
كان بعد السماء وعمق البحر, سوف يجتاز حبى كل عوائق العالم من أجلك"
أغنية
سمعها البطل في مذياعه, وظلَّ يُرددها بطول النص وحتى النهاية!

تعليقات
إرسال تعليق