ألوان أخرى، أورهان باموق: أن تكون مثقفًا في بلد لم يعد أحد يراه سوى قاطنيه الحزانى!
فى ألوان أخرى يقدم أورهان باموق كل ما يميز أدبه.
نرى ذلك الولع بالسير، وتأمل المكان والاشياء المحيطة. نرى الربط بين التفاصيل
بذكاء ولماحية وخفة ظل. يصنع باموق قطع نثر فاتنة منطلقًا من أشياء عابرة
كالعلامات التجارية و عناوين الصحف, ولافتات الحوانيت ومشاهد مسلسلات التلفاز
الميلودرامية الكلاسيكية.
باموق في "ألوان أخرى", الصادر بترجمة
لسحر توفيق عن دار الشروق, مشغول بالأسئلة الصعبة المركبة التي تختبأ خلف أشياء
بسيطة وعابرة. يلتفت باموق إلى تفاصيل مفعمة بالكثير من الدلالات. تلك التفاصيل
التي يراها الجميع طوال الوقت ولا يعيرها أحد انتباهه. يؤمن باموق بـ"رؤية
العالم عن طريق الكلمات" كما يسمى لعبته تلك. كما يذكر فى موضع آخر متحدثُا
عن نفسه, "لكي أشعر بالسعادة يجب أن أتناول جرعتى اليومية من الأدب."
يجد باموق عزاءه عن تعاسات العالم فى قطعة كتابة
جميلة, خاصة لو كانت من كتابته. طموحه – الذي يبدو سهلًا وبعيد المنال في نفس
الآن, كتابة "نصف صفحة جيدة كل يوم".
يجد أورهان عزاءه كذلك في نعمة البصر ، فعندما يعود
ليلًا, ليخبروه أن والده قد مات, ومع أول طعنة ألم, تأتيه صورة من طفوله: ساقا
أبيه النحيفتان فى "الشورت"!
هذه واحدة من عدة علاقات يقوم عليها الكتاب: علاقة
الكاتب بوالده, الذي تنبأ له بالفوز بجائزة نوبل ليس كهدف عليه أن يسعى إليه بل
"قالها كأب تركي يساند ابنه يشجعه بقوله: في يوم ما ستكون باشا".
يقدم باموق والده على أنه صورة نقيض له, فوالده
سعيد ومنسجم مع طبقته الأرستوقراطية بكل تقاليدها, وه كذلك الشاعر الذي تخلى عن
الشعر تحت وطأة سخرية المحيطين به. في
لحظات يجد أورهان نفسه متورطًا في لوم والده على تخليه عن حلمه. يبدو أن باموق وعى
الدرس جيدًا ومبكرًا, فلم يدع للمحيطين به فرصة إعاقة تقدمه, "ليس الإلهام سر
الكاتب بل العناد والصبر".
رغم ذلك سيبقى والده شبحًا سعيدًا في خلفية علاقته
بالأدب, فيكون محور خطبته في حفل تسلم جائزة نويل. رغم ذلك أو لذلك نراه يختم
حديثه عن والده في أحد اقسام الكتاب بقوله "يبدأ موت الإنسان بموت
والده".
في قسم آخر من حديقة باموق الصغيرة والغناء نرى
تتابعًا كاملًا لمقالات شعرية قصيرة مرسومة بيد باموق نفسه – الفنان التشكيلي
المغدور به -, يتحدث, في هذه المقالات، عن علاقته بابنته "رؤيا".
الطبيعة المرحة للمقالات القصيرة منحت الكتاب خفة رقيقة خففت من قتامة وجدة أجزاء
أخرى منه, "فى طريق العودة بينما أدفع أنا عربة رؤيا كلانا يشعر بالتعب
والسعادة, نفكر فى الحياة وفى البحر خلفنا ولا نقول كلمة واحدة".
فى تتابع آخر يتحدث عن رواياته: كيف تبدأ الفكرة,
وكيف يعمل عليها, وعلاقته بها بعد أن يفرغ منها.
في منطقة تالية, يخبرنا باموق عن الكتب التي يحبها
والدروس التي تعلمها من تلك الكتب, وكيف نجح فى التخلص من بعضها. يتحدث عن فعل
القراءة نفسه, عمَّا يسميه "المتعة في العزلة". يتخدث عن عن وقوعه في
غرام ألف ليلة وليلة بمرور الزمن, "عشت بما يكفى لمعرفة أن الحياة تتكون من
الخيانة والخديعة". وحين يتحدث عن كُتَّابه المفضلين, يطرح من خلال عيونهم
الجميلة أسئلة واشكالات تتعلق بالحياة والفن. يذكر منهم فيكتور هوجو, و"سؤال
هل نحب الكتاب لجمال نصوصهم أم لمكانتهم في التاريخ وقصص حياتهم". مع
دستوفسكى يتساءل "كيف نتصالح مع أسئلتنا الميتافيزيقية ومع المجتمع ومع
الحياة؟".
من ألبير كامو يتفهم أكثر "عجز المثقف الحساس
عن اتخاذ موقف قوى أمام اندفاعات عواطفه وارتباكاته الداخلية, حيث صراع العقل
والعاطفة"، و عند "توماس برنار" يجد العزاء فى لحظة شعور بالتعاسة،
من خلال كل هؤلاء الكتاب العظام يتحدث باموق مستخدمًا أرواحهم الصافية والحزينة
ليوصل رسائله لنا. وبينما يمضي في ذلك, يمضي كذلك مفككًا أسباب هذا الحب الغامر
بعقلانية متشككة أحيانًا وبعاطفة تفسر ما لا يستطيع العقل أن يُفسره فى أحيان أخرى
كثيرات.
فى النهاية، نجح أوهان باموق في ما سعى له منذ أول
سطر وأوفى لنا بوعده. وعده لنا أن نرى معه العالم معه عبر الكلمات وعبر الأفكار
اللامعة والعقل النابه والقلب الفطن!
***
ملحوظة أخيرة:
توفي والد أورهان باموق فى ديسمبر 2002 ونال أورهان
جائزة نوبل للآداب في العام 2006.

تعليقات
إرسال تعليق