إلينج، إنجفار أمبيورسون: إعادة تعريف العطب الذهني في مدن القرن الواحد والعشرين!
إلينج,
بطل روايتنا هذه, يذكرني ببطل آخر لرواية عربية معاصرة. كلا البطلين كان واقعًا
تحت تسلط الأم وكلاهما تُرك بمفرده دفعة واحدة ليواجه الحياة. لكن بينما كانت رحلة
بطل الرواية العربية معتمدة كلية على المجهودات الفردية في التجريب والسقوط
والنهوض ومعالجة الندوب بمزيد منها, فان رحلة إلينج, البطل النرويجي المعاصر
أيضًا, كان يراقبها ويحرسها المجلس المحلي لمدينة أوسلو, ممثلًا في الطبيب المخصص
لمتابعة حالة إلينج, السيد فرانك. هذكا ننطلق مع إلينج في رحلته لمحاولة اكتشاف
الذات وإعادة الإندماج في المجتمع المحلي لمدينة شديدة التنوع كأوسلو.
في
"إلينج" يدهشنا كاتبها إنجفار أمبيورسون, 1956, ببناء روائي محكم وفاتن,
يوازن برهافة ما بين الأحداث التى تدور خارج ذات البطل وبين مونولوجاته الفاتنة
المضفرة ببنية السرد بشكل سلس لا يجعلنا كالمعتاد في مثل هذه الحالات نمرر أجزاءً
لصالح أجزاء أخرى, فنرى في ثنايا الرواية مونولوجات فاتنة لبطلنا تطرح أسئلة مبطنة
حينًا ومباشرة في أحيان أخرى حول المجتمع ومسئوليته الاجتماعية عن سلامة أفراده,
متى يجب أن يتوقف الآباء عن التوجيه والإجبار في تربيتهم لأبنائهم ومتى يجب أن
يتركوا لهم كساحة للتجربة والخطأ, تطرح الرواية أيضًا تساؤلًا حول دور الفرد في
حياة الآخرين ودور الآخرين في حياته, متى يكون تدخلك في شأن الآخر مساعدة ومتى
يكون تطفلًا. السؤال بشان الاخر, الاخر المجهول لنا.
إلينج,
بطل روايتنا, يظل تقريبا بطول روايتنا مملوءا بالمخاوف والأوامر وتعليمات كتيبات
الإرشاد النفسي حتى ينعتق من كل ذلك ويكتب أول قصائده وبدلًا من أن يسعى لنشرها في
حياة أدبية مغلقة حول أفرادها فإنه يجد طريقة ما فاتنة ليدس بها القصائد في علب
المنتجات الغذائية في السوبر ماركت لتصل القصائد خقًا غلأى مستحقيها مباشرة دونما
وسيط يشوه تلقيهم لها.
تناقش
الرواية أيضًا مخاوف شتى غير مطروقة في السياقات الروائية الباحثة عن جماهيرية, أى
جماهيرية, مثلًا, يُمكن حصدها بمناقشة مخاوف إلينج بشأن التبول في مكان عام؟
"من
بإمكانه الفصل أى الإنجازين أعظم؟ تغلب رجل أو امرأة قلقين على مخاوفهما وخروجهما
ببساطة إلى الشارع, أم تمشية أرلينج كوجا –المستكشف النرويجى الشهير– البطولية إلى
القطب الجنوبي؟ هل هو حقًا بطل عظيم بالشكل الذي قُدَّم به؟", وغيرها من
المخاوف الصغيرة الكبيرة التي تحفل بها أركان الرواية مثل الخوف من التبضع من
السوبر ماركت, والخوف من استخدام الهاتف, والخوف من ركوب المواصلات العامة وارتياد
الحانات المزدحمة وحتى الخوف من طلب الطعام من النادلة الحسناء.
أحلام
إلينج بسيطة. إلينج يحلم في واحدة من استطراداته الفاتنة بأن يكُ واحدًا من هؤلاء
المندفعين في الحياة, يحلم بأن يكتب قصيدةً جديدة يفتش في داخل نفسه الثرية عنها
ويجدها بعد كدح حميم. لا يريد إلينج وصولًا سهلًا, يريد التفاحة في أعلى الشجرة
ولا يريدها أن تسقط بين يديه بمجرد النظر بل يريد أن يتسلق الشجرة إليها ويكد ويتعب
حتى يذوق شهدها في ختام رحلته القصيرة تلك إليها.
سيبدو
إلينج في أحيان ساخرًا كبيرًا وفي أخرى سيكون شاعرًا رقيق الفؤاد لكنه دائما وفي
كل أحواله سيكون إنسانًا كريم الروح يحارب حربًا خفية لا يعرف عنها الإنسان العادي
شيئًا. حربه تلك غرضها كله أن يبدو طبيعيًا لا أكثر ولا أقل. ما يبدو بداهة في
حالة أخرى يحتاج في حالة إلينج إلى حرب ضروس لا تنقطع لحظة واحدة.
في
الرواية نرى كذلك منمات فاتنة منحوتة من مشاهدة قصيرة أو أجزاء من المشاهد, لمحات
تبدو كصور فوتوغرافية آسرة للغاية, علاقات على هامش العلاقات الأساسية وخطوط
الدراما الفاعلة, مثل علاقة إلينج بالقطين الذين ابتاعمها وصديقه في واحدة من
رحلاتهما في المدينة لتوسيع نطاق حياتهما الإجتماعية, هناك أيضًا أراء إلينج في
الفن, والموسيقى, واللوحات التشكيلية, وتصرفات نجوم المجتمع وطبعًا رأيه المركب
والساخر في حركة الشعر المعاصر, والتى تقع في مركز اهتماماته بحكم كونه شاعرًا
سريًا يخفى قصائده المكتوبة في المراحيض العامة ومحلات البقالة وتكتب الصحف عن
شاعر الكرنب – حيث كان يخبأ قصائده - بينما يكتفى هو بالإختباء بنبل تاركًا
السعادة للآخرين والحيرة لأجهزة الإذاعة والتلفاز التي تحب دوما أن تتدعي علمها
بأدق تفاصيل الحياة في المدن الكبيرة كأوسلو وغيرها.
مع
التقدم في القراءة, ييتبادر للذهن سؤال ملح وحقيقي جدًا, "هل إلينج حقًا
مريض؟"
في
القراءة الأولى للرواية ستُعامل إلينج على أنه العطب بينما طبيبه المعالج فرانك
وأمثاله هم البشر الكاملون, لكنك -ربما– في القراءة الثانية, قد تتفتح عينيك على
حقيقة أن إلينج كان إنسانا طوال الوقت من لحم ودم بينما فرانك هو النموذج البليد
والمسطح لهذا الصواب المقيت.
سؤال
آخر سيتبادر للذهن, هل نجح العلاج النفسي والإرشاد المؤسسي في علاج إلينج ورفيقه؟
حسنًا,
للوهلة الأولى سيبدو العلاج ناجعًا, لكننا لو أمعنا النظر قليلًا في الأمر فسنجد
أن الحل الأول لدى مركز التأهيل التابع لبلدية أوسلو في شأن إلينج كان دفعه لتحجيم
انطلاقات عقله الجامحة. أتساءل لو أن أحدًا قد أخبر إلينج أنه يملك تكوينًا نفسيًا
وذهنيًا يصلح لفنان أما كان قد اختصر عليه نصف الطريق, لو أخبره أحد ما أنه يمكن
بدلًا من أن يخرس أسئلته بشأن الآخرين, ومخيلته النشطة تلك في إنتاج القصص وحبك
الحكايا حول الجميع, يمكنه أن يكون روائيًا مثلًا. ماذا يفعل الروائي أكثر من ذلك؟
في
حالة روايتنا هنا لا يحدث هذا, وبنقد مبطن ربما غير متعمد تضع الرواية يدها على
عيب مركزي في طرق العلاج النفسي التقليدية, ألا وهو إصرار كل تلك الطرق على تنوعها
وإختلافها على أن هناك صوبًا واحدًا فقط! يجب أن نتحرى الطريق نحوه وكل ما خلاف
ذلك هو باطل أكيد, دون نقاش ولا تمحيص. عيب آخر تكشف الرواية ألا وهو أن المريض هو
آخر من يحق له أن يبدي رأيًا في علاجه.
لا
بداية ولا نهاية في الرواية, هى قطع عرضي لا طولى في حياة إلينج ورفيقه جيل بيارن,
وجارتهما رايدن نوشن, تبدو علاقة إلينج ب"جيل" كعلاقة أب بابنه, يقدم له
المشورة ويحاول أن يساعده في حياته العاطفية, وأحيانًا يبدو إلينج كطفل صغير فى
حاجة لتذكيره ببداهات الحياة التي يتغافل عنها. إلينج بطول النص يسعى إلى توسيع
مساحة دائرته الاجتماعية, النص هو خيط رهيف من مشاعره بينما يفعلها, صوت الراوي
كان ناعمًا متعاطفًا هامسًا للغاية ومنح الرواية دفئًا إنسانيًا عظيمًا.
أخيرا,
إلينج رواية لن تقرأها مرة واحدة كديدن الروايات العظيمة نحتاج لسماع أصواتها
الدافئة والحبيبة في آذاننا من آن لآخر بينما نعاني من صخب الحياة ولهوها بأحلامنا
الصغيرة والرقيقة حتى أنها تكاد لا ترى بالعين الضعيفة والمجردة.

تعليقات
إرسال تعليق