فرانك سيناترا عنده برد، جاي تاليز: فن أن تقترب من نجمة سماء دون أن تحترق بلهيبها!
1
يتقدم
جاي تاليز, الصحفي الشهير, من فرانك سيناترا, المطرب الأمريكي الأسطوري، في أحد
سهراته الصاخبة. يطلب منه حوارًا صحفيًا. يوافق سيناترا ويعطيه موعدًا يذهب فيه
جاي ليطرح عليه حفنة من الأسئلة حول أشياء عدة مع حرصه على ألا يفقد سيناترا مزاجه
الرائقة. ينتهي اللقاء ويُعطي جاي سيناترا نسخة من الحوار. يحذف سيناترا نصفه
تقريبًا ويُنشر الحوار. يُحدثُ الحوار ضجةً ليوم أو اثنين ثم يتلاشى كأَّن لم يكن.
لحسن
حظنا أن هذا السيناريو بالتحديد لم يحدث, فسيناترا رفض منح جاي تاليز حوارًا
صحفيًا, فما كان من جاي, الصحفى العنيد في مجلة إسكواير الأمريكية في العام 1966
إلا أن قرر قبول التحدي ومواصلة اللعب مع النجم الشهير, "الإبداع في الصحافة
يكمن فيما تفعل بما هو متوفر بين يديك".
هذه
الرؤية للنسخة غير المحققة من حوار جاي وسيناترا ليست وليدة الخيال. هنالك شواهد
عدة بطول النص تعززها, فسيناترا يتحكم في كل شيء من حوله, حتَّى قائمة الطعام في
كل مطعم إيطالى في لوس أنجلوس من المطاعم التي يتردد عليها. وقد كان, في وقت رفضه
حوار جاي, يعيش حالة كرب قبل عرض إحدى المحطات التلفزيونية فلمًا وثائقيًا عنه دون
إذنه. قِيل إنه يحوى حديثًا جريئًا عن حياته الخاصة.
يقول
جيم ماهوني, الوكيل الإعلامى لسيناترا, "كان هناك اتفاق جنتلمان ألَّا يسألوا
أسئلة معينة عن حياة فرانك الخاصة, لكننا فجأة وجدنا المحاور يُطلق السؤال:
"فرانك أخبرني عن هذا الموضوع", أجابه سيناترا في الحال بغضب
شديد:"هذا السؤال، يا كاى، ما كان يجب أن يُطرح أصلا..".
هنا
نرى مفهوم سيناترا عن الحوار الصحفي, الذي يختلف بالتأكيد كثيرًا عن مفهوم صحفي
كجاي تاليز للأمر.
ينتهي
موضوع الفلم الوثائقي باكتشاف سيناترا, بعد عرض الفلم, أنَّه مجرد ساعة كاملة من
الغزل والإطراء. يُقال أنه حينها وصل تلغراف من أحد أصدقاء سيناترا حاملًا جملةً
واحدة. جملة تلخص كل شيء. "نحن نحكم العالم!".
حسنًا,
تريد حادثة أخرى تعزز نفس وجهة النظر؟ إليك التالي, كان سيناترا وبالتوازي مع
الفلم المزعج المنتظر والمترقب عرضه يصور برنامجًا آخر.
لا
يحاول معاداة سيناترا, هذه المرة، فالبرنامج يقدمه يؤدي مجموعة من أشهر أغانيه.
فجأة أوقف سيناترا التصوير في منتصف اليوم مُخبرًا مخرج البرنامج, "انسى
الأمر, انسه فحسب! أنت تضيع وقتك, إن الذى لديك رجل عنده برد", ثم غادر مكان
التصوير وأمر بإعدام الشريط الذى جرى تسجيله طوال اليوم, كما أمر كذلك بتأجيل التسجيل
القادم حتَّى يتعافى من وعكته المفاجئة تلك.
2
يطرح
التحقيق الصحفي المعنون "فرانك سيناترا عنده برد" سؤالًا إشكاليًا حول
حق الفنان في اختيار ما يُقدم من حياته الشخصية للجمهور, وحق الصحافي الماهر في
إنتاج صورة مركبة لهذا الفنان طارحًا أخطاءه وإيجابياته معًا في صورة واحدة, أو
مائدة شديدة الثراء, تطرح ما يمكن اعتباره حقيقية الفنان, دون أن تحوله إلى ملاك
كما في المقالات المادحة أو إلى شيطان رجيم لا يتورع عن فعل الفواحش والسقطات
بإصرار كما في المقالات المهاجمة!
هكذا،
ما بين نوعي المقالات المذكورين, تضيع صورة سيناترا لدى العامة. فتارة يبدو كشخص
مدلل ورقيع صعب المراس والإرضاء, وتارة أخرى يكون ذلك الشخص "الجدع"
الذي لا يبخل على المحيطين به بشيء, ابن الحى كما يُسمى. ابن الحي الذي أصبح
قادرًا على دعوة الحي بأكمله إلى العشاء.
المدهش
والممتع في العمل, عمل جاي تاليز, أنه لا يكره سيناترا. لا يتحيز ضده لأنه رفض
منحه حوارًا, ولا يخضع أيضًا لتلك الصورة الإعلامية الراسخة لسيناترا. تلك التي
كانت تهدف إلى جعله رجلًا فوق العادة.
يقدم
جاي صورة من لحم ودم للنجم والإنسان. قال جاي ما كان سيناترا يرفض أن يُقال عنه
وقال ما كان سيود لو يقوله لكنه لن يستطيع وضع يديه عليه.
يطرح
جاي فى "فرانك سيناترا عنده برد" نسخة وجودية من الإصابة بنزلة برد. نعم
ذلك المرض العابر الذى يصاب به الجميع, لكنه لفنان كسيناترا, يمثل واحدًا من أعتى
أنواع القلق الوجودي الذى يعترى الفنان: أن تُخدش موهبته ولا تعود أبدًا كما كانت!
فعلها
جاي مُقدمًا ما يشبه فلمًا وثائقيًا بالنص الصحفى, استخدم فيه كل حيل الدراما
والصحافة ليصل لغايته: تقديم نص حيوى لا راكد. نراه يستخدم الاستطرادات, والفلاش باك, والقطع المونتاجي
المتوازي, وما إلى ذلك.
صوت
المترجم – كذلك - في الهامش يبدو كصديق لطيف من ثقافة مختلفة ياخذ بيديك ليشرح لك
ما غمض عليك من علامات وإحالات في ثقافة ليست ثقافتك.
3
في
النهاية, يُمكنك أن تُحب سيناترا أو تنعته بالغرور, لكن لا يمكنك ألا تقع في حب
كتابة جاي تاليز عنه. إن كان سيناترا عنده برد, فجاي كان لديه الدواء. البرد يشهوه
صورة سيناترا الفنان الكامل كما يحب أن يُرى, لكنَّه يمنح سيناترا الإنسان أبعادًا
تجعله أقرب إلى نسخة بشرية منه. نراه، بطول النص، بينما يغضب ويمزح ويكره ويحب.
نراه وهو منسجم مع ما حوله ونراه ومزاجه عكر. ذلك المزاج المصاحب غالبًا لدور
البرد المعتاد!
*
* *
"قبل
لحظة من تغير الإشارة إلى الأخضر, التفت سيناترا تجاهها, ونظر مباشرة في عينيها
منتظرًا ردة فعل يعلم جيدًا أنّها ستأتي وقد جاءت وابتسم فابتسمت وانطلق في
طريقه".
مشهد
جمع بين سيناترا ومعجبة شابة في أحد إشارات المرور. مشهد يصلح ختامًا لهذه الرفقة
الطيبة مع تحقيق جاي تاليز البديع.

تعليقات
إرسال تعليق