سعادةٌ منزلية تشبه بساطًا مُحاكًا ومزخرفًا باليدين المجردتين! (قصة قصيرة)

 

 

كان اليوم هو موعد كتابة المقالة الإسبوعية التي يخص بها عزيز –بطلنا الكريم- قراء بلدته الصغيرة والحبيبة كطابع بريد مشرق وسعيد.

طلب منه السيد حسن - رئيس التحرير - في نبرة تجمع ما بين الشدة والرجاء أن يكتب عن الوباء الذي اجتاح كل العالم حتى وصل أخيرًا إلى بلدته الحبيبة.

كان عزيز جائعًا ولم يكن من عادته أن يعمل بينما هو جائع.. أخرج قطعة من الجبن من الجرة القديمة وأضاف قليلا من زيت الزيتون و وقف أمام الموقد يفكر بينما يغزو الدفء أوصال رغيف الخبز..

جلس يلتهم طعامه بينما يتابع الأخبار عله يجد خيطًا يمكن به الكتابة عن هذه الجائحة وظل على حاله هذه حتى مل فقرر أنه بحاجة لبعض البهجة والمرح الآن.. بدَّل القنوات بحثًا عن هدفه المنشود وبالفعل وجد نفسه واقعًا في منتصف فيلم لإسماعيل يس..

تابع المشهد على الشاشة وهو يعرف أن الضحك آت لا ريب لكن الأمور لم تسر كما اشتهى. مرت القطعة التي كانت تُسقطه أرضًا من الضحك دون أن يضحك لها. شعر بالحزن يتوغل أكثر وأكثر في داخل نفسه حتى بدا أن لا شيء في الحياة قادر على طرد هذا الغول الشرس من داخل قلبه الوحيد رغم كل ما يحيط نفسه به من الزهور والكتب والروائح الذكيات.

"القهوة!"..

نعم, القهوة هي الحل السحري للخروج من هذه البئر من الأحزان كما كانت دائما.. فقد كان عزيز يحب طقس إعداد القهوة في حد ذاته وكم من سؤال شغل باله وحيَّر حماره الحبيب حتى غلبته الحيرة و وجد جوابه بينما يعد قدحًا من القهوة.

أحضر ما يحتاجه وفتح العلبة الذهبية التي يحتفظ فبها بالبن.. وضع ملعقتين مع السكر وقلب المزيج جيدًا ثم وضعه فوق النار وطفق ينتظر..

الحق أن من علمه هذه العناية في إعداد القهوة كانت زوجته الراحلة, زينب. كانت في عز شبابها بهية جميلة ومنيرة الطلة يوم رآها لأول مرة.

وقد كان هذا اللقاء الأول في بيت زينب نفسها, حين كان أخوها أمجد مريضًا طريح الفراش وقد أتى لزيارته مجموعة من الأصدقاء كان من بينهم عزيز وكنوع من الواجب أعدت زينب للجميع أقداح القهوة ودارت عليهم واحدًا واحدًا فعرفت طلب كل منهم من السكر ودونت القائمة في رأسها وكان عزيز الوحيد من بين الأصدقاء الذي طلب القهوة سادة. تندر الحاضرون على طلبه واعتبرها أمجد فألًا سيئًا وأما عزيز فقد واجه كل هذا الاعتراض بالضحك الخفيف والرقيق وقد قيل في وصف لجوئه هذا للضحك أنه لو أتاه ملاك الموت وأخبره أنه مرسل لقبض روحه لحسبها مزحة ولغرق في نهر رقيق من الضحك والبسمات.

شرب الحضور القهوة وكان من عادة زينب أن تجد بعض السلوى في قراءة الفناجين وكان أمجد يشجعها على ذلك ويتندر بهذه الهواية الغريبة لأخته بين أصدقائه.

طالعت زينب الفناجين حتَّى وصلت لفنجان عزيز فقرأت ما فيه واحمرت وجنتاها ورفضت أن تعلق على ما رأته في الفنجان وأثار فيها حمرة الخجل هكذا. فيما بعد أخبرت عزيزًا بما رأته يومها فقد رأت في الفنجان أن أمامه عروس جميلة الوجه بسَّامة العينين وقد خجلت من إعلان ذلك في حينها.

بعد هذه الحادثة بمرات قليلات وبعد تكرار الزيارات لأسباب شتَّى كما كان قيس يزور ليلى, وقع عزيز في حب زينب وتقدَّم وطلب يدها من أخيها الذي بارك الزيجة, وعاش عزيز وزينب لأعوام طويلة معا في سعادة أخاذة رغم أنهما لم يرزقا بالأطفال حتى عد عزيز الأمر ترفًا يمكن الاستغناء عنه وذلك حين عرف أن المشكلة لدى زينب وليست لديه بل وظلَّ يدعي أنه صاحب المشكلة حتى وفاتها. ولا مرة ذكر الأمر ولو بشكل عابر أمامها. ولا مرة.

نعود من جديد لرأس عزيز الخالي من الأفكار الآن, الخالي والمليء بالحيرة. فكيف يمكن أن تكتب عن شيء لا تراه, هكذا ظل يسأل نفسه شاعرًا بالغيظ من اضطراره للبقاء في البيت ومن الموضوع الذي فرض عليه وطبعًا من المرض الذي يبدو كسائح يعبر الطرقات فيطرق الأبواب بلا موعد مسبق مالئًا القلوب بالخوف والقنوط.

سار في جنبات البيت محاولًا التفكير في حل للمعضلة..ارتشف من القهوة بعضها وأبهجته رائحتها والمذاق وإن ظل السؤال معلقًا في فراغ الحجرات دون جواب..

وبينما هو غارق في أفكاره هذه فإذا بعينيه تقعان على صورة قديمة له منذ أيام الجامعة. كان شعره فيها كثيفًا وليس مثل الآن وكان أسودًا قبل أن يصير كله أبيضًا بلون الحليب. فكر أن يكتب عن ذوات له راحلات.. يكتب عن نفسه الشابة الثائرة والطامحة لتغيير العالم ويكتب عن طفولته الصغيرة والدافئة في ظل حنان أمه وجدية أبيه ويكتب عن الآخرين الذين عرفهم وعرفوه..

هكذا بدت له الحكايات بلا نهاية أو آخر فكل شخص عرفه يمثل حكاية بحد ذاته..

أخرج دفاتره وبحث عن ألبومات الصور وبدأ يُقلب فيها فرأى في أول صورة تجمع لمجموعة من الصبية ويقف خلفهم معلمهم وقد بدا سعيدًا للغاية كما بدوا هم أيضًا.. كان هذا السيد وسيم معلم اللغة العربية وقد كان اسمًا على مسمى حقًا فكان يعتني بملابسه ويختار ألوانها بدقة جعلته مضرب الأمثال في هذا الشأن وعلى يديه كان أول لقاء لعزيز بالشعر فقد كان السيد وسيم يطلب إلى صغار التلاميذ أن يتباروا في حفظ أشعار المتنبي وأبي تمام رغم لوم الآخرين له وادعائهم أن الأطفال لا يعون شيئًا مما يقرؤون لكن تجربة السيد وسيم معهم أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن الصغار قابلون لتذوق الشعر كما الكبار تماما بل وأفضل منهم فللصبي سريرة نقية لم تتلوث بعد..

في صورة أخرى رأى بيتًا قديمًا وكان هذا البيت بيت أول فتاة أحبها في حياته وكان اسمها مرمر.. للآن يذكر شكلها رغم أنه لا يملك صورة لها.. كانت نجلاء العينين ولابتسامتها نور خاص جدا يشع بهجة في وجه من تهديه إياها كما كان صوتها عذبا للغاية في غناء الأناشيد والأهازيج في رحلات المدرسة التي كانت تملأ ساعات طريقها الطويل بغنائها الحبيب والمليح..

تذكر أيضًا كيف كتب لها مرة خطابًا غراميًا وهو لم يتجاوز بعد الثامنة من العمر وكيف وقع الخطاب في يد أخيه الأكبر, مراد, فلم يعنفه أو يلومه بل أخذ الخطاب منه وأحضر رائحة شهيرة فعطر له الخطاب وطلب منه في المقابل فقط أن يخبر الفتاة أن العطر حازه من أخيه..

 

تذكر أيضًا السيدة صفاء معلمة الرسم الرقيقة والحنون وكيف كانت ترسم الأشياء وكأنها من الحياة قد نبتت لتوها.. وكيف كانت توزع عليهم الفستق والزعتر وكيف ظلا مقترنان في ذهنه بها حتى الآن..

تذكر أيضًا السيدة علياء معلمة الموسيقى وكيف كانت تجد الألحان في كل شيء حولها حتى لو كان نداء حزينًا لبائع جائل..

تذكر كذلك الأستاذ ربيع البستاني الماهر الذي كان يزرع طرقات المدرسة بالفل والياسمين وغيرها من نباتات الزينة التي كانت تجعل لأيامهم السعيدة تلك رائحة خاصة للغاية.. رائحة لا يطويها النسيان أبدًا..

كانت أياما جميلة وبسيطة ورغم أن كل هذه الأشياء من شعر وحب وخطابات مازالت متاحة للآن لكن لا أحد يعيرها انتباهه وسط كل هذه الحفلة الكبيرة من البهرجة والأحزان..

"هل يمكن أن أكتب عن كل هؤلاء بدلا من أن أكتب عن الخوف والأحزان؟"

هكذا سأل نفسه واعترفت له بأنها حقا ممتنة لهذه المحنة الطارئة فقد جعلتها تعود للبئر الأولى فتنهل منها كما تشاء حتى وجدت ما كانت حسبت أنه قد تاه في الزحام لكنه ظل موجودًا هناك أسفل الجلد يكبر وينمو وسيظل فيما يبدو موجودًا للأبد!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

محتويات المدونة

من أنا؟

📌 كتب أطفال قرأتها وأحببتها في 2025 – مراجعات قصيرة ومتجددة (كتب عربية، مترجمة، وإنجليزية)